صديق الحسيني القنوجي البخاري
531
فتح البيان في مقاصد القرآن
مُرِيبٍ أي موجب للريب ، يقال أربته إذا فعلت أمرا أوجب ريبة وشكا ، والريب قلق النفس وعدم سكونها وأن لا تطمئن إلى شيء . وقد قيل كيف صرحوا بالكفر ثم بنوا أمرهم على الشك وأجيب بأنهم أرادوا أنّا كافرون برسالتكم وإن نزلنا عن هذا المقام فلا أقل من أنّا نشك في صحة نبوتكم ومع كمال الشك لا مطمع في الاعتراف بنبوتكم ، وقيل كانوا فرقتين إحداهما جزمت بالكفر ، والأخرى شكت ، وقيل إن كفرهم بالمعجزات وشكهم في التوحيد فلا تخالف . [ سورة إبراهيم ( 14 ) : الآيات 10 إلى 11 ] قالَتْ رُسُلُهُمْ أَ فِي اللَّهِ شَكٌّ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى قالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونا عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتُونا بِسُلْطانٍ مُبِينٍ ( 10 ) قالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَما كانَ لَنا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطانٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ( 11 ) قالَتْ رُسُلُهُمْ جملة مستأنفة كأنه قيل فماذا قالت لهم رسلهم فأجيب بأنهم قالوا منكرين عليهم ومتعجبين منم مقالتهم الحمقاء أَ فِي اللَّهِ شَكٌّ والاستفهام للتقريع والتوبيخ والإنكار أي أفي وحدانيته سبحانه شك وهي في غاية الوضوح والجلاء ثم إن الرسل ذكروا بعد إنكارهم على الكفار ما يؤكد ذلك الإنكار من الشواهد الدالة على عدم الشك في وجوده سبحانه ووحدانيته فقالوا : فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي خالقهما ومخترعهما ومبدعهما وموجدهما وما فيهما بعد العدم . يَدْعُوكُمْ إلى الإيمان به وتوحيده أو إلى الإيمان بإرساله إيانا لا أنا ندعوكم إليه من تلقاء أنفسنا كما يوهمه قولكم مما تدعوننا إليه لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ أي لأجل غفران ذنوبكم إذا آمنتم وصدقتم أو اللام للتعدية كقولك دعوتك لزيد . قال أبو عبيدة : من صلة زائدة في الإيجاب ، ووجه ذلك قوله في موضع آخر إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً [ الزمر : 53 ] وأجازه الأخفش وقال سيبويه : هي للتبعيض ويجوز أن يذكر البعض ويراد منه الجميع . وقيل التبعيض على حقيقته ولا يلزم من غفران جميع الذنوب لأمة محمد صلى اللّه عليه وسلم غفران جميعها لغيرهم ، وبهذه الآية احتج من جوز زيادة مِنْ في الإثبات ، وجمهور البصريين لا يجوزون زيادتها إلا في النفي إذا جرت نكرة ومن ثم جعلها بعضهم للبدل وقال ليست بزائدة ولا تبعيضية أي لتكون المغفرة بدلا من عقوبة الذنوب ، ويحتمل أن يضمن يغفر معنى يخلص أي يخلصكم من ذنوبكم ويكون مقتضاه غفران جميع الذنوب وهو أولى من دعوى زيادته وَيُؤَخِّرَكُمْ بلا عذاب